ابن سيده

36

المحكم والمحيط الأعظم

كانت المطالب الجسيمة ، والمناقب الحُرّة الكريمة ، لا بدّ لها من اغتراق الجَلَد ، واعتراق قُوى المُهْجة والجسد ، ومَنْ طَلَب الروضة الأُنُف « 1 » ، رَكَضَ إليها الجيادَ الخُنُف « 2 » ، ومِن حُكْم الرائد صِدْقُ الأهل . * صَعْبُ العُلَى في الصّعب والسَّهلُ في السَّهل * « 3 » ثم إنه عاقه عن التصنيف فيها ما نِيط به من علائق السِّياسة ، وأعباء الرياسة ، وشغله عن ذلك ما حُبِىَ به من إدارته الممالك ، وتأمينه المسالك ، وخوضه بقَدَاميس « 4 » الجيوش المهالك ، أرْوَى اللّه سِنانَه ، وأطال بَنانَه ، وزاد حَياةً جنانَه ، وأمْهَى « 5 » في مدة البقاء عِنانَه ، فالتمس من يُؤَهِّل لذلك من لُباب عبيده ، وصُيَّاب عَديده « 6 » ، فوجد منهم فُضَلاءَ خِيارا ، ونُبَلاءَ أحْبارا ، لكن رآني أطوَلهم يدا ، وأبعدَهم في مِضمار العِتاق مَدَى ، فأمرني بالتجرّد لهذه الإرادة ، وكساني بذلك ثوب التنويه والإشادة ، وأراني كيف أملك عِنان الحقيقة ، ومن أىّ المآتى أسلك مِتان الطَّريقة ، فأطعتُ وما أضعت ، وأجَدْتُ كلَّما أردت ، فأعْلَقْتُ وأفْلَقْت « 7 » ، وألَّفت كتابي الملخَّص ، الذي سميته « المُخَصَّص » ، وهو على التبويب ، في نهاية التهذيب ، وقد أرَيْتُ في صدره : لمَ أردت وضعه على ذلك ، وَهَيْئَتُهُ بكيفيَّته ورتْبَتِه مُودَعَةٌ في سِرّ خُطْبَتهِ . ثم أمرني بالتأليف على حروف المعجَم ، فصنَّفت كتابي « الموسوم بالمحكَم » ، وهو الذي اخْتطابِى نداءٌ عليه ، وخِطابى لك حُداء بك إليه . فَرُدْ « 8 » بدائعَ زَهرَه ، ورِدْ « 9 » مَشارِعَ نَهَرِه ، وتمشّ في بساتينه ، وقلِّب طرفَك في تهاويل « 10 » رياحينه ، ومِلْ إليه عَيْنا وأُذْنا ، تَأْنَقْ به نَعْمَةً

--> ( 1 ) روضة أُنف بالضم : لم يرعها أحد . ( 2 ) خنف : جمع خنوف ، وهي الناقة التي إذا سارت قلبت خف يدها إلى وحشيه من خارج . ( 3 ) عجز بيت للمتنبى في ديوانه ( 2 / 281 ) ، وتمامه : ذرينى أنل ما لا ينال من العلى * فصعب العلى في الصعب والسهل في السهل ( 4 ) جيش قدموس : عظيم . ( 5 ) أمهى الفرس إمهاء : أجراه ليعرق ، وأمهى الحبل : أرخاه . ( 6 ) الصُّيَّاب والصُّيَّابة : أصل القوم ، وبتخفيف الباء : الخالص من كل شئ ، والعديد : الذي يعد من أهلك وليس معهم . ( 7 ) أفلق فلان اليوم وهو يفلق إذا جاء بعجب . ( 8 ) راد الكلأ يروده رودًا أي طلبه ، ورادت الإبل ترود : اختلفت في المرعى مقبلة ومدبرة . والأمر منه رُد مثل : قال يقول قُل ، راد يرود رُد . ( 9 ) ورد الماء وغيره ورْدًا وورودًا وورد عليه : أشرف عليه ، والأمر منه رد مثل : وعد يعد عِد ورد يرد رِد . ( 10 ) التهاويل : الألوان المختلفة من الأصفر والأحمر ، ويقال للرياض إذا تزينت بنورها وأزاهيرها من بين أصفر وأحمر وأبيض وأخضر : قد علاها تهويلها .